حيدر حب الله
177
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
وذلك عبر القول باحتماليّة وجود اتجاهين رئيسين في حياة النبيّ رافقا نشوء الأمّة الإسلاميّة ، وهما : أ - اتجاه التعبّد التامّ بما يصدر عن النبيّ ، بوصف كلّ ما يصدر هو وحي إلهيّ نهائي حاسم ، لابدّ من التسليم له فوراً بحرفيّته . ب - الاتجاه الذي لا يرى أنّ الدين يتطلب منه التعبّد إلا في نطاق خاصّ كالعبادات والغيبيات ، وأنّ بعض ما صدر من النبيّ كان من موقع زعامته الدنيويّة وتشخيصاته المصلحيّة ، كون النبيّ يمارس الاجتهاد أيضاً ، ومن ثمّ يمكننا الاجتهاد والتصرّف على أساسه بالتغيير والتعديل في النصّ النبوي ، وفقاً للمصالح الدينيّة العليا أيضاً . وبناءً عليه ، يمكن فرض أنّ ما حصل في السقيفة كان من قبل التيار الثاني ، أو على الأقلّ إنّ ما حصل في السقيفة يمكن أن يكون تمّ قبوله من جانب جماعة من المسلمين انطلاقاً من فهمهم ما قاله النبيّ بوصفه اجتهاداً قابلًا للتعديل ، فلما رأوا بعض كبار الصحابة قد عدّلوه زاد هذا من قناعتهم به ، فلا يكون موقفهم من إمامة عليّ حينها موقف فسقٍ بالضرورة ، بل هو موقفُ اجتهادٍ خاطئ على أبعد تقدير . إنّ الكثير مما فُهم تمرّداً على النبيّ من قبل بعض الصحابة في حياته كعمر بن الخطاب ، يمكن تفسيره وفقاً لهذا النمط من الفهم ، والذي هو في نفسه قد لا يكون صحيحاً من وجهة نظرك اليوم مثلًا ، لكنّ التفسيق شيء والتخطئة شيء آخر . وهذا معنى ما يقوله السيّد الصدر من أنّ هذين الاتجاهين اللذين بدأ الصراع بينهما في حياة النبيّ ، قد انعكسا على موقف المسلمين من أطروحة زعامة الإمام للدعوة بعد النبيّ ، فالممثلون للاتجاه التعبّدي وجدوا في النصّ النبوي على هذه الأطروحة سبباً بقبولها ، دون
--> التلميحيّة إلى كون قضيّة الإمامة ليست من الضروريّات الواضحات حتى في عصر النصّ بما قد يلتقي مع فكرته هذه ، فإنّ الأمر يغدو أوضح ، فانظر له : بحوث في شرح العروة الوثقى 3 : 396 - 397 .